قصة غرق أقوى غواصة روسية من فئة أوسكار والمعروفة بـ كورسك كي-141

____________________________________

كانت كورسك هي درة تاج الأسطول الشمالي الروسي …. فبطول يبلغ 154م و وزن 16الف طن تعتبر الكورسك هي أكبر و اقوي غواصة نووية هجومية (غواصة نووية هجومية و ليس حاملة للصواريخ الباليستية) في العالم ….. و بلا منازع

فهي تحمل 24 صاروخا جوالا من طراز (جرانيت) و 6 انابيب طوربيد و مخزن يسع ل24 طوربيدا …. و هي مصممة للإشتباك مع حاملات الطائرات الأمريكية و إغراقها في صمت تام و دون اي ضوضاء

و في 11 أغسطس 2000م قررت البحرية الروسية إجراء أحد أكبر المناورات البحرية في تاريخها ….. و هي مناورات مماثلة للإشتباك مع حاملة طائرات أمريكية ….. وسيمثل دور الحاملة الأمريكية الطراد الروسي الشهير (بطرس الأكبر) الطراد الأكبر في العالم ….. و لأول مرة منذ سنتبن ستقوم كورسك بإطلاق صواريخ كروز (جرانيت) و طوربيدات حقيقية في تلك المناورات التي ستجري في بحر الشمال

و لكن الروس لم يكونوا وحدهم … فالأمريكان لم يكن ليتركوهم كي يغرقوا حاملاتهم حتي في التدريب ….. فمن قريب ترقب الـ يو إس إس ميتشجان المناورات بصواريخ الترايدنت ال24 ….. تراقب المناورات و هي مستعدة لنسف روسيا كلها لو لزم الأمر

و بالطبع كان الطاقم الروسي علي أهبة الإستعداد و في قمة العصبية …. فتاريخ البحرية السوفيتية/الروسية ملئ بالكوارث التي حدثت أثناء المناورات بالصواريخ و الطوربيدات …. يمر اليوم الأول و الذي شمل إطلاق صواريخ كروز من تحت الماء بسلام …. و ناتي الان لليوم المشهود

12 أغسطس 2000م الساعة 11:27 صباحا …. يستعد طاقم الكورسك لإطلاق طوربيد تدريبي تجاه الطراد (بطرس الأكبر) …. بالطبع الطوربيد تدريبي اي لا يحمل اي رأس متفجرة ….. يستعد قبطان السفينة لإطلاق الطوربيد و فجأة

بووووووووووم

إنفجار هائل يطيح بطاقم قيادة السفينة و يصيبهم إصابات بالغة ….. يحاول القبطان تجميع طاقمه لمعرفة ما حدث و لكن كل الطاقم علي الأرض بين ميت و مصاب بشدة ….. و الان يوجد 118 رجلا محبوسين مع 100 طن من المتفجرات علي صواريخ الكروز و الاف الجالونات من وقود الكيروسين السائل في الطوربيدات و مفاعلين نوويين ….. الكورسك علي وشك ان تتحول لأكبر قنبلة قذرة في التاريخ الإنساني ….. يحاول مهندس المفاعل الإتصال بالقبطان …. و لكن الرجل لا يجيب فيتخذ القرار الجيد/السئ ….. إغلاق المفاعلات النووية وترك الغواصة تغرق بعد ان إنقطع عنها مصدر طاقتها

ثم بعد الإنفجار الأول بثلاث دقائق فقط

بووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووم

يموت معظم الطاقم بعد الإنفجار الثاني و لا يتبقي سوى عشرين شخصا

و الان ترقد الكورسك في قعر بحر الشمال و قد تعرضت لإنفجارين شديدين …. مات معظم طاقمها و الباقي في يأس ينتظرون الإنقاذ ….. و الان نري الإهمال و التسيب الروسي الشديد و الذي ينافس دول العالم الثالث

فرغم أن الطراد بطرس الأكبر شعر بالإنفجارين اللذين حدثا تحت الماء
رغم أن الكورسك صامتة و لم تستطع إطلاق طوربيدها التدريبي
رغم أنهم فشلوا في الإتصال بالكورسك
إلا أنهم لم يعلنوا الطواريء و يبدؤا في البحث إلا بعد 12 ساعة كاملة

و الأروع في الموضوع ان روسيا تمتلك غواصتين مؤهلتين لإجراء أعقد عمليات الإنقاذ …. إلا ان الغواصتين في مهام خاصة في الأطلنطي علي بعد 5500 كم لإستكشاف حطام التايتانك التي غرقت منذ حوالي 90 عاما!!!!!! (طبعا مش إكتشاف و لا حاجة هم متأجرين لشركة سياحية إنجليزية للسياحة … سبوبة يعني)

تعرض النرويج بسرعة المساعدة علي إجلاء باقي الطاقم و تعرض بريطانيا المساعدة و تعرض الولايات المتحدة الأمريكية المساعدة …. إلا أن الكبرياء الروسي يرفض المساعدة بكبر …… و بعد ان فشلوا مرارا و تكرار يقبلون المساعدة النرويجية …. و في 21 أغسطس -9 ايام بعد الحادث- يستطيع الغواصين النرويجيين فتح ابواب الكورسك …… و لكن بعد فوات الأوان طبعا

و لكن ما الذي حدث؟؟؟

كان ما حدث لغزا كبيرا في الأول و طرح المحققون الروس عدة إحتمالات:-

1- أرتطام الكورسك بأحد الالغام البحرية السوفيتية القديمة و التي كانت تملأ بحر الشمال لإعتراض الغواصات الالمانية و منعها من مهاجمة السفن التجارية …. طبعا الإحتمال أهبل من أن يناقش فالكورسك مصممة لتحمل ضربات الطوربيد و الصواريخ البحرية الحديثة و التي تزيد حمولتها المتفجرة عن ربع طن … يقينا لن يغرقها لغم بحري يزيد عمره عن 60 عاما.

2- تتجه أصابع الروس نحو الغواصة الأمريكية الرهيبة من فئة (أوهايو) يو إس إس ميتشجان الأمريكية …. فصور الأقمار الصناعية التجسسية الروسية أثبتت أن (الميتشجان) كانت في النرويج قبل بدء المناورات بيوم واحد فقط فضلا عن أن مراكز الزلزال النرويجية سجلت نشاطا سيزميا ملحوظا مما قد يعني إرتطام شئ ما بالكورسك في أعماق المياه ….. ينكر الأمريكان في مؤتمر صحفي رسميا أن تكون ال(ميتشجان) قد ارتطمت ب(الكورسك) و يقرر خبراء الزلازل البريطانيين أن النشاط السيزمي الذي سجلته المراكز النرويجية يماثل إنفجارا تحت سطح المياه و ليس إرتطاما.

3- الإرهاب: فطبعا بوتين من عشاق الحرب علي الإرهاب …. و مهندس الطوربيد علي الغواصة كان روسيا مسلما من (داغستان) اسمه (محمد جادجية) و يتم توجيه أصابع الإتهام لجادجية بتفجير مخازن الطوربيد في عملية إنتحارية و التسبب فيما حدث …. طبعا نظرة واحدة علي السجل الأمني (لجادجية) ينفي هذا الطرح الساذج.

4- تكتشف فرق البحث النرويجية أن جزءا من الغواصة يبعد عن الحطام الرئيسي للغواصة 50 مترا و بعد تحليل هذا الجزء يتبين أنه جزء من أنبوب الطوربيد رقم 4 و هنا يبدأ اللغز في الوضوح ….. من الواضح ان هناك إنفجارا ما قد حدث في الأنبوب رقم 4 و لكن يبقي السؤال …… ما الذي جعل الأنبوب ينفجر إذا كانت الطوربيدات الموجودة وقتها بدون رؤوس حربية متفجرة؟؟؟؟؟

و تكون الإجابة ….. الهيدروجين بيروكسايد H2O2 …. فالطوربيدات تعمل بمحرك طوربيني يستمد قوته من حرق الكيروسين ….. و لكن حرق الكيروسين يحتاج لأكسجين ….. و طبعا لا يوجد اكسجين تحت المياه لذا فالطوربيد يستمد الأكسجين من مخزن خاص داخله يحوي الـ H2O2 ….. و لكن الـ H2O2 يتمتع ببعض الخواص الفيزيائية الخطرة … فهو سائل غير مستقر و عند تعرضه للهواء أو المعادن المؤكسدة (الصدأ) يتمدد بسرعة لـ 5000 ضعف حجمه الأصلي في ثوان و يشتعل ……

يبقي سؤال أخر؟؟؟؟؟ طبيعي أن الإنفجار كان سيكون للخارج ما الذي جعل كرة اللهب تدخل الغواصة؟؟

بعد فحص حطام الغواصة جيدا يظهر كل شئ …… بوابة أنبوب الطوربيد رقم 4 لم تكن تغلق من الداخل بإحكام ….. بسبب الصدأ (اهمال في الصيانة)….. و الطوربيد الموجود في الأنبوب رقم 4 لم يكن ملحوما جيدا …… الان القصة واضحة

يقوم الطاقم بوضع الطوربيد في الأنبوب رقم 4 ….. الطوربيد يسرب الـ H2O2 يقوم الطاقم بغلق الباب و لكنه لم يغلق بإحكام بسبب الصدأ ….. يتفاعل الـ H2O2 تتكون كرة لهب رهيبة و إنفجارا صغيرا يقوم بفتح باب الطوربيد الداخلي ويصيب طاقم القيادة بإصابات بالغة ….. يشتعل مخزن الطوربيد بالنيران ……. يقوم مهندس المفاعل بغلق المفاعل مما يجعل الغواصة تهبط في قعر المياه ….. ثم تنفجر الطوربيدات الـ 23 الباقية إنفجارا شنيعا …. إنفجارا تشعر به مراكز رصد الزلازل في النرويج ….. يقتل معظم الطاقم في الإنفجار الثاني و لا يتبقي سوي حوالي 20 فردا يهربون لمؤخرة الغواصة علي امل أن يأتي زملاؤهم في الأسطول الشمالي لإنقاذهم …… و لكن قائدهم المباشر و زملاؤهم لا يبدأون في الشعور بوجود مشكلة سوي بعد 12 ساعة ….. و روسيا لا تطلب مساعدة أجنبية سوي بعد 9 أيام

و كانت هذه مأساة كورسك و طاقمها ال118 الشجعان

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *